محمد جمال الدين القاسمي
256
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ونعوته الجليلة . أي يبيّنها في كتبه المنزلة . وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي : لعلكم توقنون وتصدقون بأن هذا المدبر والمفصل ، لا بدّ لكم من المصير إليه ، بالبعث بعد الموت للجزاء ؛ فإن من تدبر حق التدبر ، أيقن أن من قدر على إبداع ما ذكر من الآيات العلوية . قدر على الإعادة والجزاء ! . لطائف : الأولى - جوّز في قوله تعالى اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ أن يكون الموصول خبرا ، وأن يكون صفة ، والخبر يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ورجّح في ( الكشف ) الأول ، بأن قوله الآتي وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ [ الرعد : 3 ] ، عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات والسفليات وفي المقابل الخبرية متعينة ، فكذا هذا ليتوافقا . والجملة مقررة لقوله وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [ الرعد : 1 ] ، وعدل عن ضمير الرب إلى الجلالة لترشيح التقرير . كأنه قيل : كيف لا يكون المنزل ممن هذه أفعاله هو الحق ؟ وتعريف الطرفين لإفادة أنه لا مشارك له فيها . لا سيما وقد جعل صلة للموصول . وهذا أشد مناسبة للمقام ، من جعله وصفا مفيدا لتحقيق كونه مدبرا مفصلا ، مع التعظيم لشأنهما . والمقصود بالإفادة قوله : لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ فالمعنى أنه فعلها كلّها لذلك . الثانية - قال القاضي : قوله تعالى رَفَعَ السَّماواتِ . . . إلخ دليل على وجود الصانع الحكيم ، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرمية ، واختصاصها بما يقتضي ذلك ، لا بدّ وأن يكون بمخصص ليس بجسم ولا جسماني ، يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته ، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات . الثالثة - يُدَبِّرُ و يُفَصِّلُ يقرآن بالياء والنون . وهما مستأنفان . أو الأول حال من ضمير ( سخّر ) والثاني من ضمير ( يدبّر ) أو كلاهما من ضمائر الأفعال المذكورة . ولما قرر الشواهد العلوية . أردفها بذكر الدلائل السفلية على قدرته وحكمته . فقال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 3 ] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ أي بسطها وجعلها متسعة ممتدّة في الطول والعرض لإخراج النعم الكثيرة منها .